ابن عربي

462

مجموعه رسائل ابن عربي

حاجة بالذهاب إلى المسجد الأقصى ، ولأمكن الترقي من مكة إلى السماء . فدل على أن الإسراء والترقي ، من مكان لمكان : لحكمة وراء زعم مثبت الجهة ، والسر فيه ، وفي كونه ذكره اللّه تعالى في كتابه : تنبيها على أن العبد لا يصل إلى اللّه إلّا فردا ، تحقيقا ، لقوله تعالى : وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً ولا تتحقق له الفردية إلّا بعد مفارقة الحوادث وتجرده عنها . فهنالك يصل إلى حضرة عنديته . وقد جاء الكتاب العزيز بالتنبيه على أن حضرة عنديته ، وراء دوائر السماوات والأرض ، قال تعالى : وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ « 1 » فعطف ( مَنْ عِنْدَهُ ) على مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ والعطف يقتضي المغايرة . فدل على أن حضرة العندية وراء السماوات والأرض ، وهي مع ذلك محيطة بحضرات السماوات والأرض ، كإحاطة ربنا بذلك كله ، مباينة له كمباينته ، فمن أرادها فعليه بتفرقة الحوادث ومباينته لها . ثم اعلم أن الفرقة فرقتان : فرقة قلبية غيبية ، وفرقة حسية : فإن فارقها بقلبه وصل إلى اللّه بقلبه ، وإن فارقها بحسه تبعا لقلبه ، وصل إلى اللّه بحسه وقلبه ، فلذلك كان الإسراء ، مرتين : مرة بالروح ، ومرة بالحسد ، تنبيها على أنه ( ص ) شرع لأمته فراق الحوادث مرتين : مرة بالروح ، وهو الإسراء الأول ، ومرة بالجسد حسا ، وهو الإسراء الثاني ، ومن المعلوم أنه لا يتحقق لفرقة الحوادث حسا إلّا بمجاوزة دوائر الأفلاك كلها ، كما ثبت ليلة الإسراء . وأما ترتيب نعليه ، وترقيه في توجهه : ففيه أسرار بديعة : أظهرها وأجلاها : ان فرض الصلاة كان ليلة الإسراء ، والصلاة حضرة القرب والمناجاة والمراقبة المثمرة لنعيم الرؤية . ومن المعلوم أن التوجه توجهان : روحاني ، وحسي . فقبلة التوجه الروحاني : وجه اللّه ، ولا اختصاص له بمكان ، وأما التوجه الحسي فله قبلتان : بيت المقدس والكعبة ، فبيت المقدس : هو قبلة الأنبياء ، والكعبة . هي قبلة إبراهيم ( ع ) ، فجاء الإسراء الروحاني أولا تأسيسا للشريعة في قوله تعالى : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ وجاء الإسراء الحسي مبدوءا بالتوجه

--> ( 1 ) هذا رأي ، ورأي آخر أن الواو : واو الابتداء ، وجملة مَنْ عِنْدَهُ مبتدأ ، خبره لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ والواو في كلا الحالين تفيد المغايرة .